مقالات رئيس المجلس


معجم الاسماء العربية

قاموس عربي إنكليزي


كلمات القاموس: 88342
مرات الترجمة: 7440
اخر ترجمة: مرحبا

الكلمة: Sloganeer
معناها: إرفع شعارات



الأهداف والنظام الداخلي لـ (مكتب الإدعاء العام الشعبي)



(موقع مرافئ)... ملف منوع عن يوم السلام العالمي

 

نتاجات ابداعية: (الحياة)تحاور الفكر العربي: أين نحن في العالم؟ متى ينتهي الانحدار؟ أي دور للمثقف؟ .. فخري كريم: ديموقراطياتنا تؤسس للاستبداد واشتراكياتنا تؤسس لتبديد الثروة

 
 



ابراهيم العريس / الحياة :-
 منذ بداية ثمانينات القرن العشرين وهمّ فخري كريم، همّ ثقافي. كان ذلك منذ ادرك أن الوعي والحرية صنوان، وأن جزءاً أساسياً من التدهور العام الذي تعيشه المنطقة العربية، يعود الى تدهور الفكر، بعدما انقسم – نهائياً – في ذلك الحين بين فكر نخبوي لا يصل الى أحد، وفكر سلطوي غير قادر على اقناع أحد، وبينهما تدهور فني وأدبي يزيد عمق أزمة الوعي في منطقتنا.
فخري كريم اسم حاضر في الساحة الثقافية العربية، بعدما كان حاضراً في الساحة الحزبية عبر مسؤولياته في الحزب الشيوعي العراقي، والتقائه الدائم طوال عقود مع حركات التحرر الوطني والتيارات الحزبية التي يعرفها جيداً، سواء كانت من حلفائه أم من الخصوم. وهذه المعايشة الطويلة، لا سيما خلال سنوات الصخب والانهيارات، أوصلت الرجل الى مجموعة من القناعات التي دفعته الى ذلك الحضور المكثف الذي هو حضوره اليوم في الساحة الثقافية .

وهو أطل، عربياً، أول الأمر من دمشق حيث أسس «دار المدى»، ليس كمؤسسة لنشر الكتب فقط، بل كمنطلق، كما يقول، لنشر الوعي الثقافي الذي هو الوعي التحرري والوسيلة المثلى لبناء المستقبل. من هنا تجاوزت اهتماماته مسألة النشر، لتصل الى ابتكار المشاريع والافكار التي توصل نتاجات الفكر النهضوي والعقلاني ونصوص الحداثة، الى أوسع قطاعات ممكنة من الناس، لا سيما من طريق مشروعه الرائد «كتب للجميع» الذي استنفر من أجله صحفاً عربية، بينها «الحياة» في عمل مجاني مشترك يوصل عشرات الآلاف من النسخ الى عشرات آلاف القراء من دون مقابل. بالنسبة الى فخري كريم، هذه هي البداية التي كان لا بد من الشروع فيها بدلاً من سنوات ثرثرة وانهيارات طويلة، فإذا أضفنا الى هذا، مشاريع تتعلق بمهرجانات سينمائية وأسابيع ثقافية وبيوت للثقافة، نصبح أمام صيغة متكاملة يدهشنا انها تنطلق من نشاط فردي لتصل الى الجماعة. لكن من يحاور فخري كريم، كمسؤول حزبي سابق، وكناشر وصحافي (يصدر جريدة «المدى» الاسبوعية في العراق منذ تحرر البلد من حكم صدام حسين، كما يصدر مجلتي «المدى» و «النهج» انطلاقاً من دمشق، وسط مشاريع ستجد طريقها الى التنفيذ، كما يقول) من يحاوره يدرك فوراً ذلك التكامل لديه بين العمل الفكري والابداعي، وبين الجهود التي يجب أن تبذل من أجل مستقبل أقل ارتباكاً لأمة عانت كثيراً. واذ يقدم فخري كريم على هذا، يرى أن زمن المراجعات ولّى، وزمن توزيع اللوم لم يعد مجدياً. من الآن وصاعداً، وسط الأخطار المحدقة بنا، لا بد من التطلع الى أمام يقول. وهذا الحوار الذي أجرته «الحياة» مع فخري كريم في دمشق، ضمن اطار سلسلتها المحاورة للفكر العربي، يقدم صورة لمفكر نشيط ما زال ينظر الى المستقبل بأمل، على رغم كل شيء... ومن هنا أهمية هذا الحوار الذي يجعل الترابط بين تحليل الماضي ورسم صورة الحاضر، والتطلع الى المستقبل، من منطلق عملية التوعية، أمراً واحداً.
> كيف تنظر إلى الأوضاع في المنطقة العربية من موقعك ككاتب وناشر ومسؤول حزبي، سابق إذا شئت، ومن موقعك كإعلامي تتنقل بين المنفى والوطن وتحمل طموحات فكرية وثقافية، أعتقد بأنها تصطدم بالكثير من عقبات الواقع ودروبه المسدودة نسبياً؟
- دعنا لا نستشهد بالمواقع الثقافية والإعلامية، فالمواطن العادي بات خبيراً في وصف حالة التداعي والانحطاط التي وصلنا إليها. إن لسان حاله يقول: البارحة أفضل من اليوم! لعل الجميع توصل إلى مثل هذه القناعة، فهي تصف أرضاً منحدرة، سياسة ذات أفق هابط، تراجعاً في الإنجاز، تفككاً لا ينقطع في البنى، اقتصاداً بائساً، حياةً اجتماعية راحت تضيق مقابل وسائل قمع راحت تتسع. فضلاً عن ذلك هناك الإهمال، والتهميش، وسقوط الكفالة الاجتماعية، والعزلة، والخوف، وانعدام الأمل. إن الصورة قاتمة حقاً، والمفارقة أنها بدأت تتشكل من داخل التحولات التي اعتقدنا بأنها إيجابية، ما يجعل قلقنا مضاعفاً. فأسئلتنا وشكوكنا في شأن الماضي باتت موازية لأسئلتنا وشكوكنا إزاء الحاضر والمستقبل، لكأن تحولاتنا الوطنية هي المسؤولة عن هذه الصورة، لكأننا ما أن خطونا الخطوة الأولى في تحررنا الوطني وانعتاقنا من ربقة الاستعمار الأجنبي، بتنا نؤسس لتاريخ من الخسائر على المستوى الإنساني والثقافي، وراح سجل الحرية يتبدد في القسوة والسجون والقمع المتجدد. ضجت مرحلة التحرر الوطني بمشاريع نهضوية وشعارات وبرامج، إلا أن الأنظمة والأحزاب المتسيدة والشريكة أفرغتها من مضمونها، وبإمكان أي إنسان أن يراجع الماضي ليكتشف هياكل تلك المشاريع والشعارات والبرامج المفرغة التي لم تعد تصلح لأي شيء. حتى الحرية – هذه العزيزة التي تغنينا بها - لم تعد هي نفسها، فهي مفتوحة على قدر المصالح الضيقة للبعض، وعلى قدر مخاوفهم التي راحوا يؤسسون بها أيديولوجيا كاملة، قائمة على قمع الآخرين وابتزازهم واستخدامهم على نحو سيئ. استخدمنا مفاهيم الآخرين، ثم كيفناها إلى ما اعتقدنا بأنه واقعنا أو احتياجاتنا أو هويتنا. هذا يحدث في كل ثقافة بالطبع، لكننا وحدنا من جعل هذه العملية تكاد ان تشبه تمزيق أوصال المفاهيم، بل ان تشبه أعمال النفاق بالمعنى العادي للكلمة. فديموقراطياتنا تؤسس للاستبداد، واشتراكياتنا تؤسس لتبديد الثروة والتشوه البنيوي. لدينا تنمية أوصلتنا إلى الإفقار الشديد... تنمية في الشعارات أكثر من تنمية في الاقتصاد والثقافة والبشر. في العراق، مثلاً، حولت البلايين لبناء تصنيع عسكري هزيل تبدد كله بمغامرات «القائد»، وتجلت التنمية البشرية هناك على نحو فاجع، إذ نحر مئات الألوف من المواطنين في حروب لا معنى لها، سوى تكريس سلطته المطلقة. المثير أن ما تحقق، تحقق دائماً عكس الأهداف التي جرى تبنيها بإصرار: الأهداف العاجلة، أو الأهداف الاستراتيجية، الأهداف الغريبة التي أُدخلت عنوة في ضمائر الناس بوساطة تثقيف ديماغوجي. تجلى هذا بوضوح شديد في القضايا القومية، قضية الوحدة العربية، تحرير فلسطين، تحرير الاقتصاد العربي. إن شعار الوحدة العربية تُرجِم في قطرية مقيتة، ضاقت باستمرار حتى تحولت إلى سياسة عائلية. إن مثال العراق واضح، لقد قتل الآلاف على مذبح وحدة لم يستطع أبطالها أن يحققوا تضامناً عربياً في الحد الأدنى. في الحرب ضد إيران أراد الديكتاتور من الأقطار العربية الحد الأدنى من التضامن، وفي احتلاله الكويت أراد الحد الأقصى لأنه انتقل إليه هو نفسه.
الأسطورة أولاً :-
الخطير أن الحركات والأحزاب القومية أقامت تعارضاً في المفاهيم بين الوطني والقومي. وأثارت الشبهات حول ما هو وطني لأنها تعتقد به معادياً للقومية العربية، وهي بهذا حاربت عملياً القوى الجاهزة للعمل في الدول العربية الواقعية لمصلحة دولة الوحدة الافتراضية التي لم تنشأ بعد، كما حاربت كل تطور ديموقراطي داخل الدول العربية الواقعية لأن هذا - بحسب رأيها - يعيق الوحدة العربية ويقوي القطرية. هذا الموقف العدمي ألحق أفدح الأضرار بمفهوم الوحدة العربية بل وبالعمل العربي بكل أشكاله. فهو يتضمن منازعة سخيفة لا هدف لها سوى تبديد القوى الفعلية بالأوهام، وتبديد علاقات الواقع بفرضيات هزلية، وإشاعة الفرقة، وتخوين القوى السياسية، وإشاعة أجواء التآمر والشك والخوف. على رغم الإخفاقات، وضياع الفرص، وتبديد الثروات في الحروب والصراعات وخنق الحريات والدعاوى الكاذبة، ما زالت الحركات القومية تبشر بالأفكار والمفاهيم السابقة، وتقدم الافتراض على الواقع، الأسطورة على الحقيقة. نذكّر هنا بالحالة العراقية، وهي متطرفة جداً، لكن الكثير من الحركات العربية وطنت نفسها على تلقيها بوصفها حالة وطنية ممتازة، حالة حاكم عربي يحارب بصرف النظر عن ميزان القوى الفعلي، يجتاح الكويت ويحقق الوحدة، يجتاح إيران لأنه يدافع عن البوابة الشرقية، يصفي شعبه لأنه قوي، «بسمارك العرب»، الكاريزما التي نحتاجها في دنيا العرب الكالحة. ما النتيجة؟ إن هذا الذي دمر العراق سلّم وطنه إلى الاحتلال الأجنبي. هذه الحقيقة الفاجعة لا يراها كثيرون من العرب، لا تراها الأحزاب القوموية والإسلاموية، فصدام عندها رمز (وهي التي تحتاج إلى رمز لأنها ابتعدت عن الحياة). كيف نفسر تهافت كثيرين من المحامين العرب للانخراط في هيئة الدفاع عن هذا الجلاد، متناسية أنه أمر بقطع الألسن والآذان وكيّ الجباه، ووثق كل هذه الأعمال المشينة بالفيديو؟ كيف نفهم هذا إن لم نعده دليلاً على الانحطاط في الحياة العربية؟ والبؤس أيضاً أن نعطي جلاداً صفة المناضل القومي. انها هزيمة أخرى، هزيمة مدلسة تحاول أن تخفي الهزيمة الحق. والتدليس يتسع، وهو كان واسعاً جداً منذ زمن بعيد، فلدينا «تعذيب وطني» مثلما لدينا «مستعذبون قوميون» لا يرون المهانة بل البطل الذي كان يوزع عليهم المكافآت السخية. لا بأس إذاً بقطع الألسن والآذان وتهشيم العظام، والتذويب بالأسيد وتحويل المواطنين إلى فريسة للكلاب واغتصاب النساء. لدينا «سجون وطنية» لأن لدينا من لا يريد أن يعرف الحقيقة، أو لأنه اختزلها جداً: إما صدام وإما الأميركيون... وحين جاؤوا بفضل صدام حوّل إلى الأخير رصيد شعبنا وآلامه. تسألني عن الحالة الراهنة، فأذكّرك بأن القمع ومصادرة الحريات والتعذيب كانت تواجه في السابق بالتظاهر والاحتجاج ورفع العرائض، فإذا بالصمت سيد الموقف. وصل الأمر إلى قطع اللسان بالمعنى المادي للكلمة، من دون أن يتحرك طويلو اللسان من المحامين العرب. والآن ماذا؟ القضية القومية المتجسدة في فلسطين؟ تعرف ما يجرى هناك، وما أن تضيّع حقيقتك الإنسانية حتى تضيّع كل ما تملك.
> ما اللحظة التي تحددها كمؤشر الى بداية الانحدار في شكل أوضح؟
- من دون مقارنة بين قائد وطني مثل عبدالناصر وأشباه رجال مثل صدام حسين ومريديه، لا أخشى القول ان ثورة تموز (يوليو) 1952 مع كل إنجازاتها، هي التي فتحت أفق فكر قومي يحقق تطبيقاته على الأرض ويمتلك رسالة يريد نشرها في جسد الأمة من خلال تصديرها عنوة، وبإغفال شبه تام للتناقض بين الشعار والحقيقة، وبالقفز المؤلم على الحقائق، وباتباع أساليب التآمر والديماغوجية واستخدام الإعلام الكاذب، واتباع الأساليب الفردية الديكتاتورية في الحكم وعسكرة المجتمع، وتحويل الإخفاق إلى انتصار، وقمع المثقفين، وغسل الأدمغة. والانحدار الأخطر جاء بعدما أعيد إنتاج مفاهيم جردت من أصولها وكُيِّفت إلى وقائع لا تعود لها، فضلاً عن الافتراق بين السياسي والثقافي، بسبب «أدلجة» صارمة لم تعاين أبداً حركة التطور الموضوعي وترصده.
> لماذا حصل هذا الانحراف في مرحلة المد القومي الانقلابي أو ما يسمى حكم الحركات القومية؟ ولماذا انحرفت الأوضاع إلى حد لم يتبق معه أي شيء من الحرية الحزبية والفردية التي كانت موجودة في ما يسمى العصر الليبرالي؟
- أعتقد بأن السبب الأساس يكمن في عدم نضوج الظرف الموضوعي للتحولات السياسية في البلاد العربية. طبعاً هذا ليس مبرراً للقول إن مرحلة ما قبل «الحكم الوطني القومي» كانت مضيئة ومثالية. ولكن بالمقارنة، أرى أن التغيرات اتخذت طابع قفزات لم يستوعبها الواقع الموضوعي، مثلما أنها لم تأخذ في الحسبان مستوى التطور الاجتماعي - الاقتصادي وموجباته. من جانب آخر، بات الشعار يسبق الممارسة، وصار غريباً عن الواقع المعاش، حتى أنه بات عنصراً مخادعاً، وقُدِمت أولويات لا علاقة لها بحركة الواقع ولا بمستوى التطور. من هنا لم يعد أمام الحكومات إلا القفز إلى أمام والكذب والخداع، والتعسف. بات الخوف هو الذي يحدد حركة كل شيء في المجتمع فضلاً عن الخداع. فالحديث عن أهداف كبرى في المسائل الاجتماعية، مثل الإصلاح الزراعي والتنمية واستثمار موارد البلاد والقطاع العام وما شابه، تحول إلى نهب المال العام وإفقار الشعب وتبديد ثرواته وتعريض استقلاله وسيادته إلى خطر الانتهاك. في البداية وبسبب الطابع الملتبس لم يدرك أحد أن هذه الشعارات وهمية، فالتفّت كل القوى لتساندها، انطلاقاً من وعي أكاد أقول انه اتسم بقسط كبير من السذاجة. أصبحت لهذه الشعارات سلطة تعمل خارج كل سياق واقعي، صار المجتمع كله أسيرها، غير مدرك أنها وهم. كانت النتيجة وضع القيم الأساسية مثل الحرية والديموقراطية على الرف، أو في مواجهة تلك الشعارات لتغدو ثانوية الأهمية. وكان طبيعياً أن يؤدي هذا كله إلى تبرير كل أشكال القمع والتعذيب ومصادرة الرأي وما إلى ذلك. الخطيئة نسوق ثانية، قضية الوحدة العربية كمثال، إذ لا تزال كل القوى القومية، أو الأصح «القومانية» ترتكب الخطيئة ذاتها في رفعها شعاراً يتناقض مع الواقع وحركته وظرفه الموضوعي، وتتمادى في دفع الأمة إلى متاهات تتعارض مع مصالحها القومية الفعلية. وهي لا تدرك بسبب نزعتها الإرادوية أن من المستحيل توحيد دول متفاوتة النمو لا تتمتع بمستوى واحد من التطور، بل إنها داخل كل بلد تكاد ان تكون مجتمعات بالغة التنوع. والحال ان الأنظمة العروبية ظلت خاضعة لمقاييس مذهبية جامدة، واعتمدت على نظام الحزب الواحد، وضيّقت من التجربة السياسية. وبسبب كونها اجتماعياً قوى ما قبل الدولة، كذلك الحال قيمها، فإنها إزاء التحديات والمعارك التي أخفقت فيها، عادت إلى مراجعها الأولية جاعلة مبدأ الاستئثار بالسلطة لا يقبل التنافس والمناقشة. هكذا ظلت تتفسّخ داخل هياكلها الضيقة، تزداد قوة أمام شعبها وتضعف أمام الأجنبي، تناور وتتفسخ تاركة الميدان الاجتماعي والاقتصادي والثقافي في مأزق خطر. وهذا ما يفسر انتشار ظواهر سلبية مثل التخلف والقهر والحرمان والبطالة والتوزيع الظالم للدخل، ما سهّل بروز حركات العنف والأصولية. وفي هذا لا أوفّر أي طرف سياسي أو فكري، بدءاً من الأحزاب الشيوعية، مروراً بالقومية والإسلامية، من الدَرْك الذي انحدرنا إليه.
> لكن المعهود أن هذه الحركات نمت تحت قيادة نخب مدينية بورجوازية وتأثيرها...
- هذا على السطح فقط، أما في الحقيقة فإن هذه الحركات نمت في المناطق الأكثر حرماناً وتخلفاً وفقراً. خذ مصر مثلاً تجد أن الصعيد هو المكان الذي يُنتج الأصوليين من ممارسي العنف ويعيد إنتاج الفكر الأكثر تخلفاً. بل إن القيادات التي ركبت الموجة وإن نشأت في المدن، وجاءت من طبقات أكثر يسراً، تعود جذورها إلى تلك المناطق أو غيرها التي تشبهها من حيث الفقر والبطالة والتخلف والأمية، ما سهّل عليها تجميع الأنصار. وهنا نجدنا أمام بعض النتائج الكارثية للنمو الاقتصادي وللشعارات البراقة التي اختفت وراء القضايا الكبرى. في بلدان أخرى، فشلت القوى الديموقراطية في تأكيد صدقية برامجها وتوجهاتها وشعاراتها. حلّ الفراغ وتراجعت ثقة الشرائح الاجتماعية التي كانت مرتبطة بتلك القوى، وباتت القوى الأصولية واليمينية هي صاحبة التأثير. إن الشعارات التي كانت تتحدث عن «جنة على الأرض» فقدت قيمتها، حين اصطدم المواطن بالجحيم المستعر بدلاً من «الجنة» الموعودة، في ظل «السلطة الوطنية» المدعومة من الأحزاب والقوى الوطنية الديموقراطية والأحزاب الشيوعية. فكيف يمكن وسط هذا كله الحديث عن وحدة عربية ليس فيها أي تطور ثقافي أو اجتماعي، علماً أن كل وحدة تتطلب إطارات واعية وسيادة مستوى معين من أدوات التحول؟ الحركة القومية جعلت الأسبقية للشعار القومي من دون أن يكون هناك أساس موضوعي لتحققه، وبهذا خلقت في الوعي العام مفهوماً مشوهاً عنها، وضعته أحياناً في تعارض حاد مع المصالح الوطنية لهذا البلد أو ذاك، بل عرّضت الوحدة الداخلية لبلدان عربية إلى خطر التفكك بسبب مفاهيمها المتخلفة، وعدم إدراكها للتنوع في إطار وحدة هذا البلد أو ذاك. لاحظ كيف يجرى اليوم تحت سقف هذه الشعارات تشويه المقاومة وخلطها بالإرهاب والعنف المدنِس لدم الأبرياء.
الحاضر المستورد :-
> تتحدث عن القيادات وهي في النهاية من المثقفين، ومع هذا في حديثك تغييب لدور المثقف. لو أخذنا النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كان هناك مثقفون نادوا بتطوير فكري نهضوي ينهل من قيم حديثة راسخة مثل الحرية والتطور وصولاً إلى العلمانية أحياناً. كان ذلك في مصر وغيرها من البلدان العربية، حيث كان المثقف يبحث الشأن الاجتماعي بالتلازم مع الاقتصاد والسياسة، معيداً التفكير في دور الدولة والدين. هل ترى أن ما حدث بعد ظهور الحركات الوطنية وسيادة عصر الانقلابات كان نكوصاً عن ذلك الوعي النهضوي كله؟
- ليس النكوص، بل ما هو أكثر تعقيداً، اعني ظهور تأثير بنى سابقة تحدتها حركة تحديث ضرورية ولكن غير مستوعبة من فكر حقيقي. هذا التأثير ظهر تماماً عند التحولات في الدولة والمجتمع والاقتصاد. تذكّر أن محمد عبده وطه حسين والآخرين كانوا مصلحين اجتماعيين تصدوا للعمل السياسي فردياً، وشكلوا ظواهر سياسية - اجتماعية وثقافية من دون أن يسعوا الى الوصول إلى السلطة. لكن تلك المرحلة سرعان ما تحولت من الظواهر التنويرية أو الحداثية الفردية، إلى مرحلة تحزيب وأدلجة. وما شاب هذا التحول أحياناً، أو ربما غالباً، أنه كان «قسرياً» غير مستند إلى مستوى من التطور الملائم، وتضمن قفزاً على الواقع وتغليب الذاتي على الموضوعي بسبب عوامل خارج الظاهرة ذاتها. إن تشكيل أحزاب وتجمعات فكرية وسياسية جاء أحياناً خارج السياق السوسيولوجي. على سبيل المثال، كيف يمكن الحديث عن حركة عمالية أو حزب شيوعي في الكويت، أو اليمن الديموقراطي؟ قد يكون هذا السبب وراء افتقار الحركة لبعدها الثقافي الحضاري، وإن كانت القيادات الحزبية أتت من صفوف المثقفين. قفز قادة هذه المرحلة على ما أنجزته الثقافة النهضوية وأدلجوها من دون التعمق في الظواهر الجديدة التي لم يولوا دلالاتها الاهتمام الكافي، إنما اختُزِلت في شعارات طفت على السطح ولم تطاول عمق المجتمع. ما نلاحظه اليوم هو غياب رؤيا معمقة تنطلق من قراءة الواقع الموضوعي، وما تقتضيه من برامج فكرية وسياسية، وانعدام القاعدة المعلوماتية في كل الميادين التي تشكل أساس أي توجه أو تحول أو مسار مصيري. وهذا يعبر عن انفصال بين الفكري والسياسي، كان من نتيجته الاعتماد دائماً على رؤى تتشكل وفق أرقام ومعطيات وبحوث واستنتاجات تأتي من الخارج. وهذه محنة أخرى تقودنا إلى التساؤل الجدي حول القيمة الحقيقية للجهد البحثي والمعلوماتي الضائع في البلدان العربية.
نهضة ثانية :-
> ومع هذا، حين حلت هزيمة 1967 وفوجئت الأنظمة بمقدار هشاشتها وضخامة الفضيحة، نهضت جماعات من المفكرين راحت تمارس النقد والنقد الذاتي في ما سمي آنذاك النهضة الثانية في الفكر والرواية والشعر والمسرح وحتى السينما. راح المثقفون ينتقدون بكل صراحة، موجهين سهام اللوم إلى القوى السياسية وإلى أنفسهم. برز فكر تجديدي قدّم ما كان غائباً عن الفكر العربي: الفكر النقدي... - لكن الذي قدموه كان نخبوياً معزولاً. لأن الهيمنة ظلت للحركات السياسية التي عادت تنتج كدأبها، قمعاً سياسياً وأمنياً جديداً، ودشنت مرحلة التخلي الطوعي عن مساءلة الحاكم عن أخطائه. وبلغت فيها الحركات الجماهيرية الملوعة بالعذاب، درجة من «السادية السياسية» بحيث أبدلت المساءلة والنضال السياسي المستمر برفع شعار «بالروح بالدم نفديك...» كما حصل في العراق مثلاً. وهو تكرار لتخلٍ عن مساءلة خطيرة حول أسباب الهزيمة الكبرى عام 1967 وما تلتها من هزائم في حروب الخليج الأولى والثانية والثالثة التي ساقتنا إلى المصير المذل الذي وصلت إليه، حيث قبلنا بشارون شريكاً سياسياً مستنكفاً عن مصافحة بعض «قادتنا» إلا بازدراء. وبدلاً من البحث عن أسباب هزيمة 1967، انشغلنا بالجدل العقيم في ما إذا كان ما حل بالأمة العربية، نكسة أم هزيمة. وساد يومها سجال كبير في طول الوطن العربي وعرضه، شمل كل القوى السياسية بدءاً بالأحزاب الشيوعية: هل أن حركة التحرر الوطني تعيش أزمة أم تمر بمجرد صعوبة عابرة؟ وانتهت قوى حركة التحرر إلى تعداد مظاهر الهزائم في مختلف البلدان والمعارك كي تصل إلى الاستنتاج الساذج بأن «الإمبريالية والصهيونية» على رغم كل ذلك لم تستطع تحقيق «كامل مخططاتها»! وهكذا أنقِذ ماء الوجه ونسيت الهزيمة وتبعاتها، وعادت الشعارات المستهلكة، المفرغة من المحتوى، والمعزولة عن ضمائر الناس وقناعاتهم، كما نُحِيت الأفكار الاجتماعية والاقتصادية التي كان يمكن أن تقود إلى تقارب حقيقي بين البلدان العربية مبني على أسس صلبة. إن الحركات «القومانية» لم تستوعب حتى الآن مدلولات التجربة الأوروبية التي تشدد على الشروط الموضوعية المطلوب تحقيقها لإنجاز وحدة حتى بين شعوب تناحرت ألوف السنين. وأغفلت تلك الحركات أن الشرط الأساس لأي وحدة بين الأمم والشعوب، هو أن تبنى على المصالح المشتركة والانطلاق من قواعد وحلول للتطور المتفاوت بينها، لا على العواطف والشعارات. واليوم لا تزال القوى «القومانية» التي أوصلتنا إلى كل أنواع الهزائم، تنادي بالشعارات ذاتها، فهل تعتقد بأنه يمكن للفكر النهضوي الثاني الذي انطلق بعد الهزيمة أن يكون فاعلاً؟ أين هو هذا الفعل ونحن نرى قوى وأحزاباً في العالم العربي والإسلامي لا تزال تدافع عن نظام وجلاد لم يدمرا الشعب العراقي وحده بل كانا الأساس في العديد من الهزائم والجرائم.
> ما قلته هو تشخيص للأوضاع القائمة. لكن ثمة بارقات أمل بتغييرات ممكنة، تنطلق من الواقع ومن الرغبات الإصلاحية التي تطل برأسها ولو ببعض الخجل. هل ترى أن للمثقف دوراً يمكن أن يلعبه في هذا كله، في هذه المرحلة أو المراحل المقبلة، أم أن كل الفعل سيكون عسكرياً وسياسياً؟
- أؤمن بأن للمثقف دوراً كبيراً، فهو أكثر من غيره قادر على صنع المستقبل، عبر استنهاض الهمم ونشر الوعي. لكن وسائل التوعية والتأثير والاستقطاب صارت فوق قدرات المثقف الفرد، وأحياناً فوق قدرات التجمعات الثقافية، ومع هذا فإن المراحل التي نعيشها حبلى بالإمكانات الهائلة التي تتيح للمثقف نشر أفكاره على نطاق أوسع كثيراً من ذي قبل، وبالتالي يمكن لتأثيره أن يكون أكبر. لا أتحدث هنا عن توجهات انقلابية أو دعوات قد تثير حذر الأنظمة وتصطدم بها، بل أتحدث عن مستوى من التوعية يصبح معه الفرد شيئاً فشيئاً، وفي المجتمعات العربية كلها، على مستوى من الوعي يصعّب عملياً مصادرة حرياته وكرامته، وتغييب قضاياه الأساسية البسيطة جداً. كل هذا صار في متناول المثقف، لكن المثقف «غير الموصوف» - كي أتجنب التعميم - بات أسير ذاته ومصالحه أو أسير حذر يدفعه إلى تجنب المواجهة، أو يجعله يشعر بأنه أضعف من أن يكون له دور في المواجهة الساخنة.
عن المجتمع المدني :-
> هناك رأي يقول إن المثقف حامل الفكر الديموقراطي التنويري، صار له سند كبير في الإعلام والمجتمع المدني، حليفي الفكر النقدي الكبيرين الآن. فالإعلام بفضل التقنيات الحديثة يزداد افلاتاً من رقابة السلطة، والمجتمع المدني صار أكثر وعياً لمسائل مثل حقوق الإنسان. أفلا يمكن لهذا كله أن يحرك تردد المثقفين ويغيّر دورهم جذرياً؟
- الحليف الحقيقي للمثقف لا يمكن أن يأتي إلا من «داخله»، ومن «الذات الواعية»، وهذا لم يتحقق بعد في ظل حالة يأس تسود أوسع الشرائح الاجتماعية تعبر عنه بـ «الصمت» وهي تداري حرمانها حتى من أبسط متطلبات العيش الإنساني. وبدلاً من التصدي، يعيش المثقف «صمته الداخلي» ويكتفي في أفضل الحالات بالتنظير. المثقف «كظاهرة» وليس «كفرد»، يتمثل أزمة مجتمعه، ويتماثل معه، «يسايره» بدلاً من «زعزعة» يأسه وتبديد مخاوفه وقلقه من قلة حيلته وطاقته الخلاّقة باكتشاف ذاته المعذبة وتحويلها إلى مصدر تغيير جذري. تمر البداية الحقيقية للمراجعة والنقد والانبثاق الجديد الواعد عبر الاعتراف بالأزمة الخانقة التي تخيّم علينا، والبحث في أسبابها البنيوية وظاهراتها ومظاهرها. وهنا يأتي دور المثقف والمفكر، الفرد أولاً، والمؤسسة ثانياً. هذه المهمة تصطدم بالحركات والأحزاب السياسية والإيديولوجية بكل تنوعاتها التي تكتفي بملامسة سطح الأزمة عند التصدي لها، لأنها هي ذاتها أصبحت جزءاً من هذه الأزمة، وأداة إعادة إنتاجها. إنها ترفض الإقرار بتغربها عن الواقع وحركته الموضوعية، وعن نبض الحياة، وعزلتها عن جماهيرها، إذ ان أكثرها إدعاءً وغروراً لا يستقطب سوى بضعة آلاف من الأعضاء ومثلهم من الأنصار. شاخت برامجها ومفرداتها وشعاراتها وأساليب عملها، لكأنها في حالة «موت سريري». ولعل هذا ما يعمق مأزقها ويصعّب دور المثقف الواعي. كل القوى السياسية العربية أو معظمها انقسمت وتجزأت لكنها لا تزال تعيد إنتاج المفاهيم والشعارات ذاتها، ونحن في حاجة إلى استنهاض قوى جديدة. لقد استطاعت قوى نامية في البلدان الأكثر تطوراً في العالم خرجت من رحم «العولمة المستبدة» لتجد لها من وسائل التعبير والتعبئة ما يمكنها من مواجهة مظاهر هذه العولمة وأدواتها. ولا أعني بالعولمة ظاهرة كونية موضوعية. إن ملايين من العمال والمثقفين والموظفين والطلاب يشاركون اليوم على صعيد العالم كله في التصدي لاستبداد العولمة الرأسمالية المتسلطة ونتائجها التخريبية لشتى جوانب الحياة، من دون أن تكون وراءهم تنظيمات سياسية أو أحزاب بالمعنى التقليدي. مثل هذا التحرك يمكن أن يتبلور عندنا أيضاً في صيغ أكثر تطوراً وتقدماً. وإذا تناولنا وضع منظمات المجتمع المدني ودورها، لا بد لنا من الإقرار بأنها في حالة نهوض نسبي، لكنه نهوض مشوش، متقلب، متناقض، وأحياناً هي في حالة ضياع. نهوض من دون وعي سياسي. عيبها يكمن في اختزالها أحياناً إلى مجرد منظمات حقوق إنسان، وجمعيات خيرية وثقافية، ووضعها في حالة تعارض أو بديل من القوى السياسية، أحزاباً ومنظمات، وهي بذلك تراوح مكانها وتعجز عن تحقيق جوهر أهدافها: الديموقراطية. على منظمات المجتمع المدني أن تتطور كي تدرك أن الدور السياسي هو واحد من أهم الأدوار التي عليها أن تلعبه. فالاستنكاف السياسي يضعها في تقاطع مع الحركات والأحزاب.
> وما الذي تفعله انت في ظل هذا كله؟ ما مساهماتك كمثقف مسؤول؟
- على رغم سوداوية المشهد السياسي الراهن، والأزمة التي تخيم على الأوضاع العربية، فإن هناك غلياناً تحت سطح هذا المشهد، تنمو فيه قوى ناهضة جديدة، من شأن تطورها أن يحتل موقعاً تأسيسياً مؤثراً في التطور اللاحق، وتغيير موازين القوى. منذ أواسط ثمانينات القرن الماضي، رأيت أن علينا العودة إلى تكريس الأساليب التي كانت في أساس حركة النهوض الإنساني منذ القرن الثامن عشر وبروز الحركات السياسية والفكرية الثورية، وما رافقها من منجزات ثقافية. وتمثلت تلك الأساليب في القصيدة والقصة والرواية واللوحة والأغنية والموسيقى، أي الإنتاج الثقافي برمته. إن الأدوات الإبداعية الجمالية قد تكون الوسيلة الفعالة التي تمكننا من التفاعل مع ما ينمو تحت السطح، لأنها تتيح للإنسان أن يحاور وعيه ويبدع ويتواصل مع هموم الناس وتطلعاتهم. أرى إمكانات هائلة في هذه المجالات، إمكانات تحرر وتوعية حقيقية، وفسحة للتحرك الواعي تدخل مسامات كل فرد وكل مجتمع في العالم العربي. طبعاً، نعاني غياب المؤسسات التي يمكن أن تحمي هذه القيم الثقافية، إن 22 «حدوداً» تشكل عائقاً صعباً في وجه كل عمل إبداعي حقيقي وصادق. وقد يكون من السذاجة التساؤل هل كل دولة عربية مستعدة لرصد مليون دولار سنوياً في صندوق خاص لدعم الثقافة، بما يجعل منها حاملاً إيجابياً، وأداة تحول ونهوض. مثل هذه الفكرة “الساذجة” بلا معقوليتها في عالمنا غير العقلاني، قد يمكننا من نشر الوعي الحقيقي في طول العالم العربي وعرضه. وقد يرى الحكام في مثل هذا المقترح ما يقلق لكنني أؤكد لهم أن مثل هذه المبادرة لا يشكل خطراً عليهم بل على العكس قد يساعدهم في إعادة تشكيل أنفسهم بما يقيهم الأخطار، ويدخلهم مع شعوبهم عصر التقدم الحضاري وأوتوستراد المعلوماتية وأنوار العلم.

 

 



 صفحة للطباعة صفحة للطباعة

 أرسل هذا الخبر لصديق أرسل هذا الخبر لصديق

· البحث في اخبار نتاجات ابداعية
· البحث في اخبار جميع الصفحات


أكثر خبر قراءة في نتاجات ابداعية:
أحمد شوقي الشاعر التقليدي المجدّد في مرآة "لامارتين" الرومنطيقي الفرنسي