مقالات رئيس المجلس


معجم الاسماء العربية

قاموس عربي إنكليزي


كلمات القاموس: 88342
مرات الترجمة: 7440
اخر ترجمة: مرحبا

الكلمة: Patchwork
معناها: الترقيع



الأهداف والنظام الداخلي لـ (مكتب الإدعاء العام الشعبي)



(موقع مرافئ)... ملف منوع عن يوم السلام العالمي

 

نتاجات ابداعية: ألف وجه لألف عام - «يوميات وصيفة» لميربو: المجتمع البورجوازي ومأزقه الأخلاقي

 
 


إبراهيم العريس:-
ثلاثة أفلام... ثلاثون اقتباساً مسرحياً، ما لا يقل عن أربع ترجمات الى الانكليزية، وشهرة ما بعدها شهرة، شهرة طغت على بقية أعمال صاحب هذه الرواية التي نتحدث عنها هنا: أوكتاف ميربو. وهذا منذ الشهر الأول من عام 1900 حين صدرت الرواية في طبعة كاملة في باريس بعنوان «مذكرات وصيفة».

فماذا لو نضيف الى هذا ان ميربو نفسه صاغ هذا الكتاب مرتين: مرة حين نشره على حلقات في واحدة من أشهر المجلات الباريسية («ليكو دي باري») بين خريف 1891 وربيع 1892، ومرة ثانية حين نشره معدلاً في شكل كلي على صفحات «لا ريفو بلانش» التي كانت لسان حال مناصري درايفوس في ذلك الحين، وهي الصياغة نفسها التي صدرت كتاباً، ولم تتوقف عن الحضور بعد ذلك، أدباً وسينما ومسرحاً ونقاشاً؟
وربما يكون من المفيد هنا أن نوضح أن الكتاب اتخذ في نشرته الأولى شكل يوميات فعلية، متخيلة طبعاً، لوصيفة، فيما اتخذ في شكله النهائي، صيغة الرواية المحكية على شكل يوميات؟
من المؤكد أن هذا يضع هذا الكتاب في إطاره الطبيعي، من الناحية الأدبية، كما من الناحية التاريخية، ويضيف إليه أبعاده كلها. ولنضف الى هذا أيضاً وأيضاً أن الكتاب حين حول الى فيلم، في المرتين الثانية والثالثة، اقتبس في شكل غير أمين على الإطلاق، ولا سيما في المرة الأولى في هاتين المرتين حين كان الاقتباس من عمل جان رينوار، ولكن في الانكليزية وفي الولايات المتحدة، حيث اتبع رينوار خطاً تقدمياً لا علاقة له بالحس «الفوضوي» الذي طبع النص أصلاً...
هذا الحس الفوضوي نجده، في المقابل، في النسخة التي حققها عن الرواية مخرج اسبانيا الكبير لوي بونيال، من بطولة جان مورو. ومع هذا، فإن بونيال ابتعد الى حد كبير عن مجريات الأحداث التي تشكل حبكة نص ميربو، وإن حافظ على لهجة النقد الاجتماعي التدميري، التي نجدها قوية عند الكاتب.
> إذاً، «يوميات وصيفة» وكما جاءت أصلاً لدى أوكتاف ميربو، عمل يتأرجح بين الرواية والرصد الاجتماعي... وهي تُروى أصلاً على لسان - وفي دفاتر - الوصيفة سلستين، التي يفيدنا الكاتب انها دونت ذكرياتها في شكل يومي ثم أعطته اياها كي يقرر ماذا يمكن أن يفعل بها، فما كان منه إلا أن نشرها كما هي تقريباً، لأنه وجدها صالحة لإعطاء فكرة واضحة عن تلك العبودية الجديدة التي تطاول هذه المرة، خدم البيوت البورجوازية. سلستين تشتغل هنا لدى زوجين ينتميان الى طبقة البورجوازية الجديدة، أي تلك الطبقة التي تعيش، بفضل ظروف متحولة، عيشاً لم تكن مهيأة له: لقد هبطت عليها الثروة فحوّلتها من وضعية متوسطة الى أعلى السلّم الاجتماعي، لكنها لم ترفعها الى أعلى السلّم الأخلاقي.
وهذا هو الأساس الذي ترصده سلستين التي كان سبق لها أن عملت خادمة ووصيفة لدى عائلات كثيرة من هذا النوع، وها هي تحط رحالها اليوم لدى عائلة «لانليبر» في بلدة هادئة في منطقة النورماندي. وسلستين حين تكتب يومياتها عن حياتها مع هذه العائلة، لا يفوتها في طريقها أن تتذكر حياتها لدى عائلات أخرى مشابهة، ليكون استنتاجها واضحاً وشاملاً: «مهما كانت رذائل الناس الأدنياء وعيوبهم، يمكن القول انها لا شيء مقارنة بما لدى الناس الشرفاء، من رذائل وعيوب». وسلستين إذ تستخدم هنا كلمة شرفاء، فإنما تستخدمها بمعنى المكانة الاجتماعية طبعاً، لا بمعنى السمو الأخلاقي.
> على هذا النحو يسير النص، وفيه ترصد سلستين بدقة ذلك «الجحيم الاجتماعي، الذي يهيمن فيه القوي على الضعيف، والشرير على الخيّر، والمجرم على ضحيته. أما البعد الذي تميل سلستين الى التركيز عليه، أكثر من أي بعد آخر، فهو حياة الخدم في المنازل، هؤلاء العبيد الجدد» الذين يكذّبون القول الشائع بأن تجارة الرق لم تعد موجودة، انهم - تقول لنا سلستين - يناقضون كل المزاعم القائلة بأن العبودية لم تعد قائمة «ان هذا القول لهو أقرب الى الطرفة... فماذا يمكننا أن نسمي خدم المنازل إن لم يكونوا عبيداً؟» انهم «عبيد في الواقع، بكل ما تستتبعه هذه الكلمة من معانٍ وممارسات، بما في ذلك الممارسات المعيبة والجنسية في حقهم، وما يجره هذا من فساد وإفساد، ومن ثم ثورات تولّد أحقاداً تتراكم فوق أحقاد.
غير أن هذا التوصيف لا يمنع سلستين من أن تلاحظ أن الخادم المنزلي نفسه سرعان ما يصبح «وحشاً بشرياً بندوقاً» حيث لا يعود منتمياً الى الشعب البسيط الذي أتى من أوساطه، ولا يمكنه في الوقت نفسه أن يكون جزءاً من البورجوازية التي يعيش في أحضانها. وتلفتنا سلستين هنا، الى أنه إذا كانت هذه الوضعية وضعية عامة تطاول كل الخدم، فإن الخادمات يعشن مصيراً أكثر بؤساً، إذ، اضافة الى كل أنواع الاستغلال التي يعانين منها، هناك أيضاً الاستغلال الجنسي... حيث انهن يعاملن بصفتهن «عاملات جنسيات في المنازل»، ما يشكل خطوة أولى تمهد لوصولهن الى بيوت الدعارة...
> إن ميربو الذي يقدم لنا هذه الحقائق كلها على لسان بطلته، لا يعرف وهماً في هذا السياق... فهو يدرك تماماً أن من المستحيل الثورة على هذا الواقع، لأن خدم البيوت يكونون في أغلب الأحيان مفسودين بفعل ممارسات سادتهم، ومحبطين أيديولوجياً ومستلبين. إذ ها هي سلستين نفسها، الواعية والذكية والتي تعدنا يومياتها بألف ثورة وثورة، ها هي في نهاية الأمر تصبح سيدة في شيربورغ، بعد أن لحقت حبيبها الجنيناتي جوزف ليفتحا معاً «المقهى الصغير» فيصبحان بدورهما من السادة الجدد: سلستين تصبح متسلطة على الخدم ولا سيما على الخادمات، كما تصبح معادية لليهود في شكل كامل مثل جوزف الذي جمع ثروته من سرقة الأواني الفضية لدى آل لانليبر، ولا تتوقف سلستين عن الاشتباه بأنه قد اغتصب فتاة صغيرة وقتلها...
ومع هذا ها هي تبقى معه! فأين صارت ثورتها؟ لقد فرّغتها على الورق حين كانت تكتب يومياتها وهي في بيت السادة، وصيفة ترغم على عيش مملوء بالكدح والعذاب، وحتى بالعلاقات العابرة مع سادة، وقساوسة وأعيان لا يمكنها أن ترفض لهم طلباً، أما الآن وقد صارت هي، بدورها، سيدة، فإنها تنسى كل الثورة والعذاب وكل أنواع التعاطف مع اخوتها في الإنسانية. ومن الواضح، بالنسبة الينا هنا، أن سلستين، وفي الجزء الأول من يومياتها، انما تنطق طوال الوقت بلسان الكاتب نفسه، انها تعبّر عن ثورته على المنظومة الاجتماعية وعلى افتقار هذه المنظومة، ليس الى العدل فقط، بل الى أدنى حد من درجات الإنسانية. لقد اتبع ميربو هنا أسلوباً، من المؤكد أنه يثير القشعريرة والقرف لدى قارئه، ما جعل الذين كتبوا عن هذا العمل يقولون ان ميربو، وقبل جان - بول سارتر بزمن طويل، عرف كيف يجعل من نص أدبي، وسيلة وجودية للوصول بالقارئ الى الشعور بالغثيان أمام واقع اجتماعي، إذ يضعه على تماس مباشر مع «فجائعية الشرط الإنساني، عبر رسم الحياة اليومية بكل ما فيها من فراغ وابتذال وعبثية».
> لقد جعل هذا كله من «يوميات وصيفة» نصاً أساسياً، يتجاوز في مضامينه ورسالته الاجتماعية مسألة علاقة السادة، من الأثرياء الجدد، بالخدم، ونظرة هؤلاء الى سادتهم... فالحقيقة أن هذا النص يغوص عميقاً في الشرط الإنساني نفسه، وفي طبيعة الإنسان، وذلك من منطلق لا بد من أن نشير مرة أخرى، الى أنه ينتمي الى الفكر الفوضوي، الذي كان يحاول على لسان كتّاب مثل ميربو، رسم الواقع والحياة كما هما، في تناقضاتهما، تاركاً للقارئ أن يتخيل الحلول أو الطرق التي يتعين عليه اتباعها: هذا النوع من الأدب لم يتنطح ليكون أدب وعظ ورسائل، بل أدب فضح وكشف عما يعتمل في الأعماق.
ويقيناً أن ميربو نجح في مشروعه هذا نجاحاً كبيراً، ليس أدلّ عليه من أن الرواية لا تزال موجودة وتقرأ، كما أن الأفلام المأخوذة عنها تعد تحفاً سينمائية، ناهيك بأن اقتباساتها المسرحية الكثيرة لا تزال تقدم في كل موسم أوروبي حتى اليوم.
ومن المؤكد أن نجاحاً مثل هذا ما كان يمكنه إلا أن يفرح كاتباً مثل أوكتاف ميربو (1848 - 1917) كرس أدبه كله وكتاباته الروائية والنقدية والمسرحية والسياسية لفضح مسألة العبودية وظلم الإنسان لأخيه الإنسان.

 

 



 صفحة للطباعة صفحة للطباعة

 أرسل هذا الخبر لصديق أرسل هذا الخبر لصديق

· البحث في اخبار نتاجات ابداعية
· البحث في اخبار جميع الصفحات


أكثر خبر قراءة في نتاجات ابداعية:
أحمد شوقي الشاعر التقليدي المجدّد في مرآة "لامارتين" الرومنطيقي الفرنسي