|
 |
| |
وجهات في النظر: ما رَسمَته محافظة النَّجف!
|
|
| |
رشيد الخيون:- قبل أسابيع أصدرت محافظة النَّجف قرارين مفارقين لليبرالية المدينة التاريخية، ليبرالية الجوهر متزمتة المظهر، وهما منع دخول المشروبات الكحولية، والثاني على البعثيين النزوح إلى خارج النَّجف! أما الأول فلستُ مع دخول أي شيء يخدش هيبة المدينة وقوامها الديني، وكل ما يجرح قدسيتها، لكن قرار المحافظة فيه من المزايدة والتعدي على هيبة الدائر العلوي، بل وفيه من التجاوز على المرجعية الدينية نفسها، وكأنها كانت عاجزة عن إصدار مثل هذا القرار أو متواطئة، وهي القاطنة قرب الضريح الشريف منذ العام 448 هـ. ومَنْ يقرأ ويبحث في تاريخ المدينة لا أظنه سيجد باباً كُسر على صاحبه بتهمة مخالفة للدين، فما بالبيوت، من تصرف، وما في الرؤوس من فكر وأدب، هما حق لا يتجاوز عليه أحد.
هكذا عاشت النَّجف وأنتجت دواوين الشعر وأمهات الفقه، ودفعت للعراق شخصيات من وزن محمد مهدي الجواهري، ومن جهة أخرى من مستوى مراجع الدين الكبار. أما قرار نزوح البعثيين عن النَّجف فهو الآخر لا يركن إلى مسوغ قانوني، من داخل الفقه أو العرف الاجتماعي، فصاحب السوءة مسؤول عن سوءته فكيف يصدر قرار بهذا التعميم، وتلك العنصرية! ومن القرارين بدا لي أن أعضاء المحافظة، لم يقرأوا تاريخ النَّجف، من حيث أنها مدينة دينية، تعلم النَّاس الانصياع لتدينها تلقائياً! أقول النَّجف بحوزتها وحضورها التاريخي والعلمي والأدبي مدينة فاضلة. مدينة لا تمنع شيئاً لا يخدش تقاليدها ظاهراً، أما الباطن وما استتر فمآله إلى الله. هل سمعتم مرة أن مرجعاً جند جلاوزة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يجوبون الشوارع! هل حرمت النَّجف ديوان شعر مثل ديوان «زنجاف الكلام» لحسين قسام (ت 1960)، أو أُقيم حدُّ الجلد أو الرجم على مبتلٍ، على زانية أو شارب خمر، أو أُقيم حد قطع اليد على سارق، أو حكم ردة وما شابه ذلك، أو داهمت حواشي المرجعيات باب دار من الدور! لأن الحوزة ترشد وتعظ وتصدر رسائل فقه، مَنْ يلتزمها يلتزم ومَنْ يترك حسابه عند الله، وليس من شأنها العقوبة الدنيوية، إنما هناك دولة لها محاكم وشرطة. اعمل ما شئت بالنجف فحرية دارك وتفكيرك مضمونة إلا خدش تقاليد، لولاها ما أكملت الحوزة الدينية عامها الألف. وما بين ذلك السلوك التاريخي وسلوك محافظة النَّجف، وجل مسؤوليها من الأحزاب الدينية، عندما أصدروا أمراً يقضي بمنع دخول المشروبات الكحولية، وتفتيش المركبات الداخلة، في هذا القرار إهانة لقدسية النَّجف، ومفارقة لسعة قلبها وعقلها، بل فرض السلفية عليها وهي ليست كذلك! أتدرون أن أول كتاب يعلم أُصول الديمقراطية ظهر بالنجف العام 1909، يوم كانت أوروبا تحبو في الطريق إلى الحياة البرلمانية، وهو كتاب «تنبيه الأمة وتنزيه الملة» للمرجع الشيخ محمد حسين النائيني (ت 1936). نشرته مطابع النجف في خضم الصراع السلمي بين المشروطة والمستبدة (بدأ 1906). ومن تقاليد علماء النجف أن لا يزوروا سلطاناً، ولا يزورهم بدارهم، إنما يتم اللقاء في حضرة علي بن أبي طالب، ولا يصلون في دولته صلاة الجمعة. يا محافظة النَّجف، المحافظ والأعضاء، لا تزايدوا على تاريخ المدينة، فمن سائس الحمار والبائع إلى الطالب والمعلم، من الأهلين والغرباء، يعرفون تعاليم دائر الضريح العلوي، فلا ينتظرون تعاليمكم، التي فيها ما فيها من تجاوز على تلك الفطرة، وذلك التاريخ المتراكم! أنتم تصرفتم بسياسة، لغرض في نفس يعقوب، وتاريخ النَّجف تصرف من تجربة تراكمها بلغ ألف عام ويزيد.
|
|
|
 |
|
| |
|